السيد محمد الصدر
63
منة المنان في الدفاع عن القرآن
للزوم أن يكون العذاب عليهما أضعاف ذلك ؛ لأنَّ نفوسهم الشرّيرة القاسية أقسى من ذلك ، فتستحقّ أكثر من ذلك ، إلّا أنَّ الله سبحانه اقتصر على درجةٍ من العذاب الشديد ؛ لقاعدة ( أنَّ رحمته سبقت غضبه ) . إلى هنا تمّ ما أردنا طرحه من أجوبةٍ على ما تقدّم من إشكالات . * * * * قوله تعالى : إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ : ضمير الجمع مجرورٌ يعود إلى الله سبحانه ، وقد ذُكر في علم النحو « 1 » : أنَّ المتكلّم قد يعظّم نفسه أو قد توجد مصلحةٌ لتعظيم نفسه وإشعار الآخرين بالعظمة ، فيعبّر عنه بضمير الجمع . والمصلحة هنا حاصلةٌ في حقّ الله تعالى ، وهي الإشعار بعظمته ، والتنبيه على أنَّ رجوعهم إلى الله سبحانه ليس بالأمر الهيّن ، بل سوف يقدمون على ربّ عظيمٍ وموقفٍ عظيمٍ ، وهذا ما يسمّى بهول المطّلع . فالتأكيد على ضمير الجمع للإيحاء بالعظمة ، وبيان أنَّ الرجوع سيكون إلى ربّ عظيمٍ لا إلى غيره ، فلا يُلتفت إليه ، بل عليكم الاستعداد والتأهّب ، وحينئذٍ يكون هذا المضمون نظير ما ورد في آياتٍ أُخر ، كقوله تعالى : إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى « 2 » وقوله تعالى : وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى « 3 » . فقوله تعالى إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ بمعنى : أنَّه سبحانه الأوّل والآخر ؛ لأنَّه هو الذي خلقهم ، فابتعدوا عنه بكفرهم وسوء اختيارهم ، فيرجعهم إليه
--> ( 1 ) راجع مجمع البحرين 456 : 1 ، التبيان في إعراب القرآن : 83 ، وغيرهما . ( 2 ) سورة العلق ، الآية : 8 . ( 3 ) سورة النجم ، الآية : 42 .